الشيخ محمد رشيد رضا

369

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

التوازن في القوى من منع كثير من البغي والعدوان ، الذي كان يصول به قوي الأمم على ضعيفها ، والحكومات الجائرة على رعيتها ، فزعموا أن الحضارة المادية ، والعلوم والفنون البشرية ، هي التي تفيض روح الكمال على الانسان ، إذا لم يؤمن بالبعث والجزاء بل ولا بالاله الديان ، واستدلوا على ذلك بما أجمعت عليه أممهم ودولهم من ذم الحرب ، والتفاخر ببناء سياستهم على أمتن قواعد السلم . وزعموا أن الباعث لهم على ذلك حب الانسانية ، والرغبة في العروج بجميع البشر إلى قنة السعادة المدنية ، فان قيل : فما بالكم تسابقون إلى استذلال الأمم الضعيفة في الشرق ، وتسخرونها لمنافعكم وتوفير ثروتكم بغير حق ؟ قالوا : كلا انما نريد أن نخرجها من ظلمات الهمجية والجهل ، لتشاركنا فيما نحن فيه من نور الحضارة والعلم . فان قيل : فما بالنا نراها لم تنل من علومكم الا بعض القشور ، ولم تستفد من مدنيتكم الا الفسق والفجور ؟ قالوا انما ذلك لضعف الاستعداد ، وما تمكن في نفوس هذه الشعوب من الفساد ، على اننا خير لها من حكامها الأولين ، بما قمنا به من حفظ الامن وتوفير أسباب النعيم للعاملين ! ذلك شأنهم لا تقام عليهم حجة ، الا ويقابلونها بشبهة تؤيدها القوة ، وقد قوضت الحرب المشتعلة نارها في أوربة هذه الأعوام ، جميع ما بنيت عليه هذه الشبهات من المزاعم والأوهام ، إذ رأينا فيها أرقى أهل الأرض في الحضارة والعلوم والفلسفة يخربون بيوتهم بأيديهم ، ويقوضون صروح مدنيتهم بمدافعهم ، ويستعينون بكل ما ارتقوا اليه من العلوم والفنون والصناعات والحكمة والنظام ، لاهلاك الحرث والنسل وتخريب العمران ، بمنتهى القسوة والشدة ، التي لا تشوبها عاطفة رأفة ولا رحمة ، ولو كان من بأيديهم أزمة الأمور منهم يؤمنون باللّه واليوم الآخر وما فيه من الحساب والجزاء بالحق ، لما انتهوا في الطغيان إلى هذا الحد . نعم إن هذه الشعوب كانت تتقاتل لنصر المذهب أو الدين ، في القرون التي كانت تعمل فيها كل شيء باسم الدين ، ولكنها لم تصل في التقتيل والتخريب في ذلك الزمان ، إلى عشر معشار ما هي عليه الان ، وان كانوا يسمون هذا العصر عصر النور وتلك العصور بعصور الظلمات ، على أن الرؤساء كانوا يتخذون اسم الدين وتأويل نصوصه وسيلة لأهوائهم التي ليست من الدين في شيء ، كما يعلم جميع علماء هذا العصر ؛ « تفسير القرآن الحكيم » « 47 » « الجزء السابع »